هل اقترب تفكيك أسطول الظل الروسي؟
د. خالد العزّي
Wednesday, 01-Oct-2025 07:27

في تطوّر لافت، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بأنّ أوكرانيا قادرة على استعادة أراضيها المحتلة من روسيا، وهو ما اعتُبر مؤشراً إلى تحوّل تدريجي وملموس في الموقف الأميركي تجاه الحرب الروسية-الأوكرانية. لم تَعُد واشنطن متردّدة في دعم كييف، بل أصبحت تميل إلى تزويدها بأسلحة بعيدة المدى، وقدرات هجومية، تُمكّنها من ضرب العمق الروسي، ما يُعزّز فُرَصها في استعادة السيطرة على أراضيها.

يأتي هذا التبدّل الأميركي في سياق ضغوط أوروبية متزايدة، تهدف إلى فرض حزمة جديدة من العقوبات على موسكو، وتُركِّز تحديداً على ما يُعرف بـ «أسطول الظل الروسي»، وهي شبكة بحرية متكاملة ساعدت روسيا في تهريب صادراتها النفطية خارج الرقابة الدولية، على رغم من العقوبات الغربية المفروضة منذ عام 2022.

 

ما هو أسطول الظل الروسي؟

 

أسطول الظل ليس مجرّد مجموعة من السفن، بل منظومة متشابكة من الآليات القانونية والتقنية والمالية، ظهرت كردّ فعل مباشر على العقوبات الأميركية والأوروبية والبريطانية. وسمح هذا الأسطول لروسيا بفتح قنوات تصدير بديلة نحو أسواق مثل الصين والهند، حيث لا تزال هناك شهية مرتفعة للنفط الروسي.

 

تكوَّن هذا الأسطول نتيجة تقاطع عوامل عدة؛ من أبرزها الضغوط الاقتصادية التي فرضتها العقوبات الغربية، والحاجة الملحّة لدى روسيا للحفاظ على إيراداتها الحيَوية، إلى جانب سعيها لتفادي التكاليف العالية للتأمين والرقابة التنظيمية. كما ساعدتها التشريعات المرنة في بعض الدول على تسجيل سفنها، بشكل يُسهّل التحايل به على الرقابة الدولية.

 

تعمل هذه الشبكة بطرق معقّدة، تجعل تتبّعها وفرض العقوبات عليها أمراً بالغ الصعوبة. إذ تُسجّل السفن في دول ذات رقابة ضعيفة وتغيّر أعلامها بشكل مستمر، وتُعطِّل بعض السفن أنظمة التتبّع خلال رحلاتها لتفادي الرصد، كما تُدار ملكية السفن من خلال شركات وهمية تُخفي المستفيدين الحقيقيِّين.

 

وتُجرى عمليات نقل النفط بين السفن في عرض البحر، حيث تُعدَّل الوثائق الرسمية لتبدو الشحنة وكأنّها قادمة من مصدر غير خاضع إلى العقوبات.

 

في المجمل، يعكس هذا المشهد تحوّلاً استراتيجياً مزدوجاً: من جهة، تطوّر في السياسة الأميركية نحو دعم أكثر جرأة لأوكرانيا؛ ومن جهة أخرى، تصعيد أوروبي لمحاصرة شبكات التهرّب الروسية، التي تُمثل شرياناً اقتصادياً لا تزال موسكو تعتمد عليه في ظل الحرب.

 

ويمكن للمراقب والمتابع التعرف على طبيعة عمل هذا الأسطول وفقاً للتالي:

 

1 - استخدام أعلام دول محايدة: تسجيل السفن في دول لا تفرض قيوداً صارمة، وتغيير علم السفينة دورياً لإخفاء الهوية.

2 - التلاعب بأنظمة الاتصالات والتتبّع: تعطيل أنظمة الـGPS وأنظمة الاتصال لإخفاء تحرّكات السفن عن الرصد.

3 - الاعتماد على شركات وهمية: تسجيل الناقلات بأسماء شركات زائفة أو في دول توفّر سرية تامة لمُلكِية السفن.

4 - نقل الشحنات في عرض البحر وتزوير الوثائق: تحويل الحمولة بين السفن في المياه الدولية وتعديل المستندات لإظهار مصدر مختلف للشحنات.

 

النمو السريع للأسطول وتكاليفه

 

شهد أسطول الظل توسعاً سريعاً منذ 2022، فبحسب تقارير غربية نما عدد السفن بنسب كبيرة خلال عام 2024 وحده، بينما تُقدَّر تكلفة تشكيل وتشغيل هذه الشبكة بمليارات الدولارات. ومع ذلك، فإنّ أكثر من نصف هذه الناقلات أصبح خاضعاً إلى عقوبات جزئية من قِبل الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، ما ضيّق منافذ العمل أمامها ورفع كلفة العمليات، في حين تُظهر تقديرات أنّ الخسائر الروسية الناتجة من قيود هذا القطاع قد تكون قد تجاوزت عشرات المليارات من اليورو.

 

الآثار الاقتصادية والتحدّيات القانونية

 

ساعد أسطول الظل الروسي روسيا على تجاوز العقوبات والاستمرار في تصدير النفط، عبر بيع شحنات بأسعار تفوق سقف العقوبات، ممّا خفّف من تأثير القيود المفروضة عليها. لكن مع تصاعد الرقابة وفرض قوائم سوداء على الناقلات وشركات التأمين والوسطاء، بدأت قدرات الشبكة تتراجع تدريجاً. ولا يقتصر التحدّي القانوني فقط على تتبّع السفن، بل يمتد إلى مساءلة الوسطاء والدول التي تُستخدَم موانئها وتسجيلها لإخفاء المسارات الحقيقية للشحنات.

 

مع تصاعد الضغوط الأوروبية وتغيير الخطاب الأميركي، تبدو الفرصة مناسبة للمجتمع الدولي لتحجيم دور الأسطول. لكنّ نجاح أي حزمة عقوبات جديدة يعتمد بشكل رئيسي على تعاون دول تجارية كبرى مثل الصين والهند، وقدرة واشنطن على حشد حلفائها لإغلاق الطرق الالتفافية. فتفكيك الشبكة ليس مجرّد مهمّة تقنية، بل قرار سياسي يتطلّب إرادة دولية موحّدة وجهوداً استخباراتية وقانونية متكاملة.

 

ويُشكِّل تفكيك أسطول الظل اختباراً لجدّية الغرب في مواجهة السلوك الاقتصادي الالتفافي الذي يُمكّن روسيا من تمويل حربها. على رغم من أنّ العقوبات أثّرت، إلّا أنّ تأثيرها يبقى محدوداً من دون تعاون دولي أوسع، وقدرات رقابية متطوّرة، وعقوبات تستهدف وسطاء التأمين والنقل والمصافي.

 

وتعكس التصريحات الأميركية، مع تركيزها على دعم أوكرانيا بقدرات بعيدة المدى، استعداداً متزايداً لاتخاذ خطوات أشد. وعلى رغم من ذلك، يعتمد النجاح على عنصرَين رئيسَين: قدرة واشنطن على تشكيل تحالف دولي من القوى الاقتصادية الكبرى لتطبيق عقوبات فعّالة، وقدرة المجتمع الدولي على تطوير أدوات قانونية وتقنية لتجاوز الحيل المستخدمة في تسجيل السفن وتحويل الشحنات.

 

إذا نجح الغرب في ربط العقوبات الاقتصادية بأنظمة رقابية استخباراتية فعّالة، وتفعيل عقوبات ثانوية على الدول والوسطاء، يمكن تقويض قدرة موسكو على تشغيل الأسطول. أمّا استمرار التباين الدولي والمصالح الاقتصادية، فقد يحافظ على هذا الأسطول كقناة حيَوية لتمويل الاقتصاد الروسي وحملته العسكرية.

الأكثر قراءة